قطراتُ المطر توشوشنا بخجل لتمهّد لليل مليء بالشجن، سيتأخر عنه الصباح.
ـ حرب العراق حرب تحرير! الأمريكان هم المحررون الجدد! ألا تفهم؟ هم المسيح المخلص. قل لي من أنقذ مسلمي سرايفو؟ من أنقذ الكويتين؟ من يرسل المعونات الغذائية للصومال، السودان، اليمن، مصر، وغيرها وغيرها؟ من الذي يباشر دائماً لحل النزاعات الإسرائيلية الفلسطينية؟ من الذي أنقذ اليهود من غازات و محارق هتلر؟ هاه؟ قل لي؟ تنتقدون السياسات التي تطعمكم، والتي ترفس مؤخراتكم لا تنبسوا أمامها ببنت شفه. تفوه! تفوه عليكم جميعاً، يا عرب، يا كلاب! ستبقون في مستنقع الذل حتى أخر رمق لهذه الدنيا.
ـ حسناً.
ـ لا توافقني! موافقتك هذه تلخص خنوع شعبٍ كامل، بل شعوب. انتفض! عارض! أصرخ، دافع! لا تكن عربياً الآن! مارس شيئاً من رجولتك! بإمكانك أن تكون أي شيء آخر للدفاع عن نفسك. لستُ حاكماً عربياً، يا صاح. لن أهادنك و أرصد كلماتك لأهتك عرضك في منتصف الليل. تكلم يا صاحبي، تكلم. أنت في أمريكا بلد الحرية، بلد الحلال. لسنا في بلدك، بلد الحرام و أولاد الحرام...
ـ الأمريكان أولاد حلال، ها؟
ـ هم كذلك فعلاً، أكثر مني و منك! أوفي ذلك شك! على الأقل الأمريكي لا يرتكب الحرام بإسم الله و الدين!
ـ طيب.
ـ طيب، طيب! طبعاً طيب!
يردف في شحوب مدندناً بصوت متقطع يعارض بعضه "يا حلو ....حظي حلو...أنا شفت عيونك"
ويستمر على هذا المنوال...
كان كالـ" واوِ" من شدة السكر، وكان أصدق ما يكون. في وقت السكر و الحزن فقط نمارس الصدق، أو يمارسنا.
يترنح فيتلقفه عمود صامد لحظة، ولحظة تتفاداه رياح معارضة. وأنا معه و لا شيء يتلقفني غير هوة فراغ. كنتُ أكثر سكراً منه، مع أني لم أحتسِ خمراً من أي نوع، و أكثر شططاً و كرهاً للعالم، لكني مغلفٌ بالصمت وأشياء أخرى تجهلني. ملامحي مبعثرة أمامي، والطرق كلها سواء. نمضي، نمشط أرصفة بروكلن العارية بينما يبكي علينا المطر وتحنو علينا النجوم من خلف الناطحات.
" يا حلو...حظي حلو...أنا شفت عيونك...مدري شو، بمدري شو...أنا شفت عيونك"
يتيه صوت مجدي في دجة الليل الصامت الساكن المتابع، بحكمة الشيخ الطاعن في السن، لشعث الضائعين..
كم تمنيت أن يقول الليل شيئاً، أن يسكِتَ هذا السكران، أو يقتله حتى. فقط لا يتركه يهيم في عرض السواد هكذا دون أن يتدخل. أن يبعث النجوم، يحولها إلى رصاص يترصد قلبه وقلبي، فتنهينا من الوجود. لمَ وجب علينا أن نبقى هكذا، ككلمات بذيئة، لا تُنطق إلا في الخفاء، وإن تجلت أصبحت عاراً...لا يصح حيالها إلا التجاهل و العبور..
يا رب هذا الليل، هل أنت موجود؟ لم كل هذا الضياع!
" يا حلو حظي..."
تقطع مواله نوبة قيء، يلوذ بزاوية قذرة ليستفرغ. كنت أحس أن أمعاءه تكاد أن تقفز من فمه.
بدى ككلب مشرد مسعور. لماذا كل هذا! مالذي أتى بنا إلى نيو يورك العاهرة هذه من الأساس؟!
لا شيء قد يعصم العربي من الشتات إلا الشتات. لا مجير له من الظلم إلا الظلم. لا مغيث له من الإستبداد إلا الإستبداد. وكأننا خلقنا هكذا لنبقى عبيداً للضياع والضعف، بلا قوة، أو مستقبل، أو مشيئة.
وكأن العربي مجرد كلمة مرادفة للمقموع/ الجائع/ المتخلف. نهرب من الموطن ليتلقفنا المنفى، ومن المنفى إلى غربة، ومن الغربة إلى تيه. نحن نضيع حتى و إن بدى عكس ذلك. أصدّق مجدي في كل ما يقول، أصدّقه لأن لا مجال للرفض أو التكذيب الآن. لماذا أعارض ما قاله؟ لماذا أعرف المعارضة الآن و أنا الذي لم أعرفها طوال عمري؟
ـ صدقت يا مجدي، صدقت.
يمسح فمه، يرفع عينيه الثملتين المثقلتين بالمفاجأة من مفعول كلامه الذي مازا يجول بخاطري، يبتسم في رضا ليكشف عن سنٍ ذهبي لم أكن أعرف أنه يختبيء في أقصى فمه، و يربت على كتفي:
بعرفك! بعرفك صاحبي وحبيبي ومافي منك.
لمحتُ، المقهى يقترب من البصر، تتصاعد أصوات الغناء منه شيئاً فشيئاً، تخلصت من يده بحركة أخوية:
ـ هل ندخل المقهى؟
ـ ندخل!
ـ لن ندخل لنستمتع بل لتشرب بعض القهوة علّك تصحو.
ـ ولم لا نستمتع؟ هل يجب أن يكون كل شيء واجب في حياتنا؟ سفرنا إلى هنا واجب، عملنا واجب. حتى نومنا مع نسائنا واجب، يارجل! فلنمارس شيئاً خارج الواجب!
ـ أولا يكفي ما احتسيته من الفودكا؟
يضحك في إرهاق مغمور ببؤسٍ واضح: و حياتك ما بيكفي خمر العالم كله!
دخلنا المقهى. كان معبئاً بالدخان والوجوه حد الإحتقان. تراكمت نساء، خليط من النوع العربي والغربي الصغير والساخن حدّ الإشتعال، على زاوية مخفية من المقهى، تسافر ضحكاتهن في شرود المدخنين لتصدم آهاتهم وحرمانهم العريض، ولا عزاء لهم سوى لمسات مسروقة من تحت الطاولات مفضوحة الأسفل، وربما شيء سيطويه الليل إن أكرمهم الحظ.
يتقدم نادلٌ هزيل، رث الهيئة منهك الملامح، أرهقه عِطر الحسناوات، يأخذ الـ "أوردر" ولا يعود به إلا قبل أن ينطلق الزبائن بقليل. فيعفونه أو يهينونه.
ـ صدام حسين رجل ولدّ من رحم الشيطان. سقوطه كان حلماً وقد تحقق!
كان يقولها بينما صوته يتماسك ويرتفع بالتدريج. يريد أن يسمعه الكل، ويعرف ما يدور بذهنه، ويكشف ما يستتر خلف صدره. يريد أن يثبت لهؤلاء الناس الذين لا يعنيهم شأنه، أنه أمريكيٌ حتى النخاع، حتى أخر خيانة متوقعة منه.
ـ و وجود الإحتلال كابوس قد تحقق أيضاً.
لستُ وطنياً، و لا أجد تعريفاً واحداً للـ "وطنية". و لستُ رجل مبدأ ولا أمتلك واحداً. لكني أعرف أني ضدّ هذه الحرب وإن كانت باسم التحرير. لم تنجب الحرب يوماً شيئاً غير الحرب. ولن يبني الرصاص أعمدة سلام، مهما قيل و سيقال..
ـ عدّ! عدّ من حيث أتيت! لو كنت في يمنك السعيد لما استطعت معارضة حكومتك ولو بحرفٍ واحد! عُد إلى علي عبد الله صالح. أتحداك أن تنتقد الوحدة، أو تعارض المؤتمر. هل تجروء؟ لا ! إذاً لا داعي للنفاق. حدد موقفك، أما أن تكون معنا أو ضدنا.
ـ أنت سكران.
ـ و أنت غبي و منافق.
أشعلت سجارتي دون أن أنظر في وجهه: بالمناسبة، سمعت أن بوش الصغير أخوك في الرضاعة.
تنفجر ضحكة يابسة على وجهه الدهني. تطير كفه لتستقر على كفي التي بُسطت بشكلٍ تلقائي: يبعت لك الهنا!
يكحُ كمن خرم صدره السُّل، و يكمل:
بوش هذا كائن ملائكي. هو خلق من نور وأنا من طين. فكيف أكون أخوه؟
يصمت لبرهة، يغرس عينيه في قعر قهوته، و كمن يحدث نفسه:
ـ أرادوا أن يقيموا "جهاداً" ضد أمريكا! ـ يضحك بهستيرية ـ حرب ضد أمريكا! من يظنون أنفسهم، أولئك حثالة العرب وخلاصة التخلف! يعلنون الجهاد على أمريكا! أمريكا التي تحكم العالم، التي تسيطر على العالم!
أتأمل وجهه. أشعرُ بحزن مفرط تجاهه.
ـ هل انتهيت من قهوتك؟
ـ قلّي بالله عليك، ماذا كان سيحدث إن صنعوا صلحاً مع هذه الدولة العظمى التي يأكلون من خيراتها؟ هل تعلم أن بترول الخليج لا يساوي شيئاً إن توقفت أمريكا عن استيراده؟ سيعودون إلى الصحراء مرة أخرى، بدواً لا يفقهون شيئاً غير لغة الحرام، و سياط الجوع.
يحتسي شيئأً من القهوة، تطالعه سيدة سمراء وحيدة إلى جوارنا تنادم الأرجيلة في هدوء. بدتْ مستمتعة بالحديث. حييتها بهزّة من رأسي، فغمزتْ لي برفق و رزانة. كانت لها هيئة وزيرة تعمل كـ"بائعة هوى" في أوقات الفراغ.
ـ هذا، بن لادن، كان بإمكانه إقامة صلح مع أمريكا، بدل أن تسفك الدماء هنا وهناك بسببه و سبب طمعه. يريد أن يصنع من نفسه بطلاً على حساب أناس أبرياء، لا يعرفون حتى معنى كلمة سياسة! كان من الممكن جداً أن يقيم علاقات مع إسرائيل ليصل إلى صلح آخر مع أمريكا، ويحصل الفلسطينيون على دولة لهم، دون سفك دماء لأجل اللا شيء، كان من الممكن جداً أن يعطوه مبلغاً جيداً مقابل ذلك، ويصبح أميراً يعربياً كما يريد في جبال أفغانستان.
ـ محزن حالك يا صاحبي. تتكلم و كأن الدنيا مجرد لعبة بسيطة. سفك الدماء قائم حتى من قبل ولادة بن لادن.
ـ أعرف، أعرف! و هذه سنة الحياة.
ـ سنة الحياة..!
ـ هكذا هي الدنيا منذ أن بدأ الكون! لابد من أن يكون هناك من يسيطر، من يحكم العالم!
ـ يحكم العالم؟ العالم أكبر من "ضيعتكم". العالم لم يخلق ليكون تحت سيطرة كيانٍ واحد غير الكيان الإلـهي.
يضحك: "الكيان الإلـهي"؟ عيني عليك يا "بابا شنودة".
وهكذا، نشغلنا بقضايا أكبر من محنة وجودنا..
على بعد ثلاث طاولات كانت فتاة عشرينية تجلس إلى جوار شاب أشقر وسيم أغوته الـ"شيشة" حتى تهاوات هيبته. كانت تبدو منهكة نتيجة ليلة قد حدث فيها أكثر مما كان يفترض أن يحدث، تظللها إنارة مصباح زهيد أكثر إنهاكاً منها. شعرت بشيء غريب و أنا أحشر عينيّ في هيئتها. شيء ما يشبه خيبة الأمل المعززة بالاستغراب، إذ بدت عربية إلى حد بعيد. خليجية تحديداً. شعرها الطويل الفاحم، عينيها الواسعتان، أنفها العربي الحاد، بشرتها القمحية، ملامح القرف على وجهها، نظراتها المضطربة صوبي، بالإضافة إلى مكياجها. للعربيات مكياج خاص يحسن فضحهن كما يجب. تطالعني وكأني قريبها الذي لن يتردد في سحبها بشعرها وإعدامها لغسل العار، كما لو كنا في صحاري الأردن أو قرى اليمن و صعيد مصر. مسكونون بالخوف نحن، مهما كان اتساع الحرية التي ننعم بها، و مهما نصت القوانين والدساتير التي نعيش تحت ظلها، ومهما كان رسوخ الديمقراطية والإنفتاح في عقلياتنا، و مهما كان الإستبداد بعيداً عنا. نولد مع الخوف وندفن معه مثل أسمائنا تماماً. حتى و إن قمنا بخلعها و ارتداء غيرها، تظل معنا و تلازمنا، لابد من أن نصطدم بشخص ما يعيد إلباسنا إياها.
قبل أن ألفت نظر مجدي إلى تلك الغانية، وجدت فتاة لا أعرف من أين هبطت تجلس إلى جواره في وضعية شبه حميمة. حينها أدركت أنني استغرقت في النظر إلى تلك الفتاة فترة ليست بالقصيرة. لكن "يخرب عقلك يا مجدي؟" كيف حدث هذا كل هذا وكأنها عبارة عن بوظة قام بشرائها و جلس!
همست له برفق بعد أن ابتسمتُ للفتاة و ابتسمتْ لي بترحيب مفتعل: من هذه؟
أجاب مجدي و هو يربت على فخذها بشبقية فاضحة مفضوحة، يفيض من عينيه وهج خامد:
هذه؟ لا تعرف هذه؟ هذه هبطت من الجنة. ألم ترى الملائكة عندما هبطت بها؟
"ـ الأستاذ بيمسكني هنا.
ـ هنا فين؟
ـ هنا. هنا"
قذفت بي الذاكرة إلى عيني "فاطمة" المنكسرتين و هي تشير إلى فخذها، وتشكو لي بأن الأستاذ يقوم بلمسها. لا أعرف لماذا كنت أكذبها. ربما لأني كنت أعتقد أن الأساتذة كائنات سامية. أو ربما لأني لم أكن أتصور أن هذا القدر من الوسخ يشاركنا العالم بهذه السهولة رغم كل العيب والحرام الذي يكتنفنا. سامحيني يا فاطمة.
كل هذا حدث وأنت مسطول يا مجدي؟ كيف لو كنت بوعيك لا بارك الله في كلينا؟ وأنا الذي قضى عمره كله في أكوار المقاهي العربية، والغربية، والنتية، لم أجد حتى ما يصل إلى رائحة عطرها.
اكتفيت بالسؤال مرة واحدة. كنت مأخوذاً بما حدث في بضع دقائق كما كنت أقف مأخوذاً، وقت صلاة الفجر بنورالضريح الذي تحول إلى مسجد. أحاول الإندماج في الحديث علّي أجد ما ينتشلني من فيضان التساؤل، فوجدت أن الفتاة صاحبة الفتى ذو الشعر الذهبي تطالعني بعينين شبه يقظتين أقل تعباً من ذي قبل، تسترق النظر و كأنها تتابع الموقف معي. نظرت إليها في المقابل. لو أنكِ كنتِ مع زوجك أو عشيقك العربي حتى، لما ترددتِ في مطالعتي بجرأة أكبر و خوف أقل، ولكان الإغراء والجذب هو قصدك بكل تأكيد. لكنه غربي. لماذا؟ لم تجدي عربياً واحد يرضي شبقيتك كما يجب؟ ما أكثر فحول العرب لو تعرفين...
وأنت أيها السكران، من أين هبطت هذه ذات العينين اللزجتين؟





