الثلاثاء، يونيو 03، 2008

في مقهى بروكلن


قطراتُ المطر توشوشنا بخجل لتمهّد لليل مليء بالشجن، سيتأخر عنه الصباح.

ـ حرب العراق حرب تحرير! الأمريكان هم المحررون الجدد! ألا تفهم؟ هم المسيح المخلص. قل لي من أنقذ مسلمي سرايفو؟ من أنقذ الكويتين؟ من يرسل المعونات الغذائية للصومال، السودان، اليمن، مصر، وغيرها وغيرها؟ من الذي يباشر دائماً لحل النزاعات الإسرائيلية الفلسطينية؟ من الذي أنقذ اليهود من غازات و محارق هتلر؟ هاه؟ قل لي؟ تنتقدون السياسات التي تطعمكم، والتي ترفس مؤخراتكم لا تنبسوا أمامها ببنت شفه. تفوه! تفوه عليكم جميعاً، يا عرب، يا كلاب! ستبقون في مستنقع الذل حتى أخر رمق لهذه الدنيا.

ـ حسناً.
ـ لا توافقني! موافقتك هذه تلخص خنوع شعبٍ كامل، بل شعوب. انتفض! عارض! أصرخ، دافع! لا تكن عربياً الآن! مارس شيئاً من رجولتك! بإمكانك أن تكون أي شيء آخر للدفاع عن نفسك. لستُ حاكماً عربياً، يا صاح. لن أهادنك و أرصد كلماتك لأهتك عرضك في منتصف الليل. تكلم يا صاحبي، تكلم. أنت في أمريكا بلد الحرية، بلد الحلال. لسنا في بلدك، بلد الحرام و أولاد الحرام...

ـ الأمريكان أولاد حلال، ها؟

ـ هم كذلك فعلاً، أكثر مني و منك! أوفي ذلك شك! على الأقل الأمريكي لا يرتكب الحرام بإسم الله و الدين!

ـ طيب.

ـ طيب، طيب! طبعاً طيب!

يردف في شحوب مدندناً بصوت متقطع يعارض بعضه "يا حلو ....حظي حلو...أنا شفت عيونك"
ويستمر على هذا المنوال...

كان كالـ" واوِ" من شدة السكر، وكان أصدق ما يكون. في وقت السكر و الحزن فقط نمارس الصدق، أو يمارسنا.

يترنح فيتلقفه عمود صامد لحظة، ولحظة تتفاداه رياح معارضة. وأنا معه و لا شيء يتلقفني غير هوة فراغ. كنتُ أكثر سكراً منه، مع أني لم أحتسِ خمراً من أي نوع، و أكثر شططاً و كرهاً للعالم، لكني مغلفٌ بالصمت وأشياء أخرى تجهلني. ملامحي مبعثرة أمامي، والطرق كلها سواء. نمضي، نمشط أرصفة بروكلن العارية بينما يبكي علينا المطر وتحنو علينا النجوم من خلف الناطحات.

" يا حلو...حظي حلو...أنا شفت عيونك...مدري شو، بمدري شو...أنا شفت عيونك"
يتيه صوت مجدي في دجة الليل الصامت الساكن المتابع، بحكمة الشيخ الطاعن في السن، لشعث الضائعين..
كم تمنيت أن يقول الليل شيئاً، أن يسكِتَ هذا السكران، أو يقتله حتى. فقط لا يتركه يهيم في عرض السواد هكذا دون أن يتدخل. أن يبعث النجوم، يحولها إلى رصاص يترصد قلبه وقلبي، فتنهينا من الوجود. لمَ وجب علينا أن نبقى هكذا، ككلمات بذيئة، لا تُنطق إلا في الخفاء، وإن تجلت أصبحت عاراً...لا يصح حيالها إلا التجاهل و العبور..
يا رب هذا الليل، هل أنت موجود؟ لم كل هذا الضياع!
" يا حلو حظي..."
تقطع مواله نوبة قيء، يلوذ بزاوية قذرة ليستفرغ. كنت أحس أن أمعاءه تكاد أن تقفز من فمه.
بدى ككلب مشرد مسعور. لماذا كل هذا! مالذي أتى بنا إلى نيو يورك العاهرة هذه من الأساس؟!
لا شيء قد يعصم العربي من الشتات إلا الشتات. لا مجير له من الظلم إلا الظلم. لا مغيث له من الإستبداد إلا الإستبداد. وكأننا خلقنا هكذا لنبقى عبيداً للضياع والضعف، بلا قوة، أو مستقبل، أو مشيئة.
وكأن العربي مجرد كلمة مرادفة للمقموع/ الجائع/ المتخلف. نهرب من الموطن ليتلقفنا المنفى، ومن المنفى إلى غربة، ومن الغربة إلى تيه. نحن نضيع حتى و إن بدى عكس ذلك. أصدّق مجدي في كل ما يقول، أصدّقه لأن لا مجال للرفض أو التكذيب الآن. لماذا أعارض ما قاله؟ لماذا أعرف المعارضة الآن و أنا الذي لم أعرفها طوال عمري؟

ـ صدقت يا مجدي، صدقت.

يمسح فمه، يرفع عينيه الثملتين المثقلتين بالمفاجأة من مفعول كلامه الذي مازا يجول بخاطري، يبتسم في رضا ليكشف عن سنٍ ذهبي لم أكن أعرف أنه يختبيء في أقصى فمه، و يربت على كتفي:
بعرفك! بعرفك صاحبي وحبيبي ومافي منك.
لمحتُ، المقهى يقترب من البصر، تتصاعد أصوات الغناء منه شيئاً فشيئاً، تخلصت من يده بحركة أخوية:
ـ هل ندخل المقهى؟
ـ ندخل!
ـ لن ندخل لنستمتع بل لتشرب بعض القهوة علّك تصحو.
ـ ولم لا نستمتع؟ هل يجب أن يكون كل شيء واجب في حياتنا؟ سفرنا إلى هنا واجب، عملنا واجب. حتى نومنا مع نسائنا واجب، يارجل! فلنمارس شيئاً خارج الواجب!

ـ أولا يكفي ما احتسيته من الفودكا؟

يضحك في إرهاق مغمور ببؤسٍ واضح: و حياتك ما بيكفي خمر العالم كله!

دخلنا المقهى. كان معبئاً بالدخان والوجوه حد الإحتقان. تراكمت نساء، خليط من النوع العربي والغربي الصغير والساخن حدّ الإشتعال، على زاوية مخفية من المقهى، تسافر ضحكاتهن في شرود المدخنين لتصدم آهاتهم وحرمانهم العريض، ولا عزاء لهم سوى لمسات مسروقة من تحت الطاولات مفضوحة الأسفل، وربما شيء سيطويه الليل إن أكرمهم الحظ.

يتقدم نادلٌ هزيل، رث الهيئة منهك الملامح، أرهقه عِطر الحسناوات، يأخذ الـ "أوردر" ولا يعود به إلا قبل أن ينطلق الزبائن بقليل. فيعفونه أو يهينونه.
ـ صدام حسين رجل ولدّ من رحم الشيطان. سقوطه كان حلماً وقد تحقق!

كان يقولها بينما صوته يتماسك ويرتفع بالتدريج. يريد أن يسمعه الكل، ويعرف ما يدور بذهنه، ويكشف ما يستتر خلف صدره. يريد أن يثبت لهؤلاء الناس الذين لا يعنيهم شأنه، أنه أمريكيٌ حتى النخاع، حتى أخر خيانة متوقعة منه.

ـ و وجود الإحتلال كابوس قد تحقق أيضاً.

لستُ وطنياً، و لا أجد تعريفاً واحداً للـ "وطنية". و لستُ رجل مبدأ ولا أمتلك واحداً. لكني أعرف أني ضدّ هذه الحرب وإن كانت باسم التحرير. لم تنجب الحرب يوماً شيئاً غير الحرب. ولن يبني الرصاص أعمدة سلام، مهما قيل و سيقال..

ـ عدّ! عدّ من حيث أتيت! لو كنت في يمنك السعيد لما استطعت معارضة حكومتك ولو بحرفٍ واحد! عُد إلى علي عبد الله صالح. أتحداك أن تنتقد الوحدة، أو تعارض المؤتمر. هل تجروء؟ لا ! إذاً لا داعي للنفاق. حدد موقفك، أما أن تكون معنا أو ضدنا.
ـ أنت سكران.
ـ و أنت غبي و منافق.
أشعلت سجارتي دون أن أنظر في وجهه: بالمناسبة، سمعت أن بوش الصغير أخوك في الرضاعة.
تنفجر ضحكة يابسة على وجهه الدهني. تطير كفه لتستقر على كفي التي بُسطت بشكلٍ تلقائي: يبعت لك الهنا!
يكحُ كمن خرم صدره السُّل، و يكمل:
بوش هذا كائن ملائكي. هو خلق من نور وأنا من طين. فكيف أكون أخوه؟
يصمت لبرهة، يغرس عينيه في قعر قهوته، و كمن يحدث نفسه:
ـ أرادوا أن يقيموا "جهاداً" ضد أمريكا! ـ يضحك بهستيرية ـ حرب ضد أمريكا! من يظنون أنفسهم، أولئك حثالة العرب وخلاصة التخلف! يعلنون الجهاد على أمريكا! أمريكا التي تحكم العالم، التي تسيطر على العالم!
أتأمل وجهه. أشعرُ بحزن مفرط تجاهه.
ـ هل انتهيت من قهوتك؟
ـ قلّي بالله عليك، ماذا كان سيحدث إن صنعوا صلحاً مع هذه الدولة العظمى التي يأكلون من خيراتها؟ هل تعلم أن بترول الخليج لا يساوي شيئاً إن توقفت أمريكا عن استيراده؟ سيعودون إلى الصحراء مرة أخرى، بدواً لا يفقهون شيئاً غير لغة الحرام، و سياط الجوع.

يحتسي شيئأً من القهوة، تطالعه سيدة سمراء وحيدة إلى جوارنا تنادم الأرجيلة في هدوء. بدتْ مستمتعة بالحديث. حييتها بهزّة من رأسي، فغمزتْ لي برفق و رزانة. كانت لها هيئة وزيرة تعمل كـ"بائعة هوى" في أوقات الفراغ.
ـ هذا، بن لادن، كان بإمكانه إقامة صلح مع أمريكا، بدل أن تسفك الدماء هنا وهناك بسببه و سبب طمعه. يريد أن يصنع من نفسه بطلاً على حساب أناس أبرياء، لا يعرفون حتى معنى كلمة سياسة! كان من الممكن جداً أن يقيم علاقات مع إسرائيل ليصل إلى صلح آخر مع أمريكا، ويحصل الفلسطينيون على دولة لهم، دون سفك دماء لأجل اللا شيء، كان من الممكن جداً أن يعطوه مبلغاً جيداً مقابل ذلك، ويصبح أميراً يعربياً كما يريد في جبال أفغانستان.

ـ محزن حالك يا صاحبي. تتكلم و كأن الدنيا مجرد لعبة بسيطة. سفك الدماء قائم حتى من قبل ولادة بن لادن.
ـ أعرف، أعرف! و هذه سنة الحياة.
ـ سنة الحياة..!
ـ هكذا هي الدنيا منذ أن بدأ الكون! لابد من أن يكون هناك من يسيطر، من يحكم العالم!
ـ يحكم العالم؟ العالم أكبر من "ضيعتكم". العالم لم يخلق ليكون تحت سيطرة كيانٍ واحد غير الكيان الإلـهي.
يضحك: "الكيان الإلـهي"؟ عيني عليك يا "بابا شنودة".
وهكذا، نشغلنا بقضايا أكبر من محنة وجودنا..


على بعد ثلاث طاولات كانت فتاة عشرينية تجلس إلى جوار شاب أشقر وسيم أغوته الـ"شيشة" حتى تهاوات هيبته. كانت تبدو منهكة نتيجة ليلة قد حدث فيها أكثر مما كان يفترض أن يحدث، تظللها إنارة مصباح زهيد أكثر إنهاكاً منها. شعرت بشيء غريب و أنا أحشر عينيّ في هيئتها. شيء ما يشبه خيبة الأمل المعززة بالاستغراب، إذ بدت عربية إلى حد بعيد. خليجية تحديداً. شعرها الطويل الفاحم، عينيها الواسعتان، أنفها العربي الحاد، بشرتها القمحية، ملامح القرف على وجهها، نظراتها المضطربة صوبي، بالإضافة إلى مكياجها. للعربيات مكياج خاص يحسن فضحهن كما يجب. تطالعني وكأني قريبها الذي لن يتردد في سحبها بشعرها وإعدامها لغسل العار، كما لو كنا في صحاري الأردن أو قرى اليمن و صعيد مصر. مسكونون بالخوف نحن، مهما كان اتساع الحرية التي ننعم بها، و مهما نصت القوانين والدساتير التي نعيش تحت ظلها، ومهما كان رسوخ الديمقراطية والإنفتاح في عقلياتنا، و مهما كان الإستبداد بعيداً عنا. نولد مع الخوف وندفن معه مثل أسمائنا تماماً. حتى و إن قمنا بخلعها و ارتداء غيرها، تظل معنا و تلازمنا، لابد من أن نصطدم بشخص ما يعيد إلباسنا إياها.
قبل أن ألفت نظر مجدي إلى تلك الغانية، وجدت فتاة لا أعرف من أين هبطت تجلس إلى جواره في وضعية شبه حميمة. حينها أدركت أنني استغرقت في النظر إلى تلك الفتاة فترة ليست بالقصيرة. لكن "يخرب عقلك يا مجدي؟" كيف حدث هذا كل هذا وكأنها عبارة عن بوظة قام بشرائها و جلس!
همست له برفق بعد أن ابتسمتُ للفتاة و ابتسمتْ لي بترحيب مفتعل: من هذه؟
أجاب مجدي و هو يربت على فخذها بشبقية فاضحة مفضوحة، يفيض من عينيه وهج خامد:
هذه؟ لا تعرف هذه؟ هذه هبطت من الجنة. ألم ترى الملائكة عندما هبطت بها؟

"ـ الأستاذ بيمسكني هنا.
ـ هنا فين؟
ـ هنا. هنا"
قذفت بي الذاكرة إلى عيني "فاطمة" المنكسرتين و هي تشير إلى فخذها، وتشكو لي بأن الأستاذ يقوم بلمسها. لا أعرف لماذا كنت أكذبها. ربما لأني كنت أعتقد أن الأساتذة كائنات سامية. أو ربما لأني لم أكن أتصور أن هذا القدر من الوسخ يشاركنا العالم بهذه السهولة رغم كل العيب والحرام الذي يكتنفنا. سامحيني يا فاطمة.
كل هذا حدث وأنت مسطول يا مجدي؟ كيف لو كنت بوعيك لا بارك الله في كلينا؟ وأنا الذي قضى عمره كله في أكوار المقاهي العربية، والغربية، والنتية، لم أجد حتى ما يصل إلى رائحة عطرها.

اكتفيت بالسؤال مرة واحدة. كنت مأخوذاً بما حدث في بضع دقائق كما كنت أقف مأخوذاً، وقت صلاة الفجر بنورالضريح الذي تحول إلى مسجد. أحاول الإندماج في الحديث علّي أجد ما ينتشلني من فيضان التساؤل، فوجدت أن الفتاة صاحبة الفتى ذو الشعر الذهبي تطالعني بعينين شبه يقظتين أقل تعباً من ذي قبل، تسترق النظر و كأنها تتابع الموقف معي. نظرت إليها في المقابل. لو أنكِ كنتِ مع زوجك أو عشيقك العربي حتى، لما ترددتِ في مطالعتي بجرأة أكبر و خوف أقل، ولكان الإغراء والجذب هو قصدك بكل تأكيد. لكنه غربي. لماذا؟ لم تجدي عربياً واحد يرضي شبقيتك كما يجب؟ ما أكثر فحول العرب لو تعرفين...
وأنت أيها السكران، من أين هبطت هذه ذات العينين اللزجتين؟

السبت، أبريل 12، 2008

في الجزء الغائب من "العزلة"


و حدك، و لا رفيق لك غيرالنجوم المشنوقة في عرض ليل حالك، و هسيس الأفاعي الرابضة أحياناً و الزاحفة أحياناً أخرى تحت فراشك المهترىء.. "هسسسس". تشق قطرات عرقٍ صدرك بينما قلبك يروح بكَ و يجيء دون أن تتحرك من مكانك. صوت الجدُجُدِ المتنامي يرفع أنفاسك و يهبط بها ـ بنفس قدرة الهسيس تقريباً ـ بينما عينيك شاخصتين. أنت لستَ في قبرٍ بالتأكيد، و لا في كابوس. أنت في بيتك، و بيتك هذا عبارة عن أطلال بيت ضارب في صميم الماضي و القِدم. نصفه الأسفل ليس إلا "سِفِلْ" ..ترتع فيه الأبقار و الجواميس والخيول التي كانت و رحلت مع كل ما رحل، و لم تخلف وراءها غير الأقذار و البراغيث و السواد و حطام ما كان. يحتل منزلك ـ أو بالأصح آثار بيت جدك الأول ـ بقعة غير استراتيجية لا تحسد عليها، في منطقة مبتورة تسمى "العُزلة"، تعتلي سفح "حيدٍ" جاسّر، تناثرت بيوتٌ أخرى على عاتقه بشكل عشوائيٍٍ منحدر.


يخترق الصفير الحاد و أصوات الميكرفون بشكلٍ مفاجيء مسامعك و جدران الصمت التي تلف "العزلة"، يتبعها أذان الفجرالمثخن بخوف القرية ، و حزن مبهم لا تدرك كهنه، "اللهُ أكبر اللهُ أكبر" لتنبشك من وسط رعبك الذي أحدثه الهسيس المنتظم آنفاً و تقذفك إلى رعب أكثر فتكاً. "هل يعقل أن يتواجد هذا الكم من الطاقة بينما العزلة يلوكها الجوع و النسيان؟" تتساءل في نفسك.


" قومو صلو، قومو صلو!" يطلقها المؤذن بلهجة آمرة لم يسلم منها الحقد، بعد أن يقوم بتعديل و طرق "الميكرفون" بإصبعه الجافة ليؤكد لك أن البطارية ما زالت جديدة، و أن المذياع من خيرات التكنولوجيا التي لم تتعرف عليها إلا من أفواه المغتربين. ينتابك إحساسٌ غريب بالخيانة، إذ كيف لهذا الجهاز أن يتوفر بـ"بطاريات" في قرية خرجت من اللاشيء إلى اللاشيء؟ كيف لهذا التناقض أن يكون و أنت تصبح و تمسي ببطنٍ خاوية؟


تخرج. نعم، تتجرأ على الخروج و المشي على أرضية هشة، مفخخة بالقرف و القرف أيضاً، و توجه وجهك صوب المسجد! لستَ متأكداً ما إذا كنت تتذكر موقع المسجد، و الذي هو عبارة عن ركن من ضريح لولي يدعى "ابو مجعرّان" تناجيه النساء في أوقات الشدة و اليأس، خاصة الطاعنات في السن منهن، و يبتهل إليه الرجال في أوقات القحط و الكسوف.


تدك الأرض بخطواتك العسكرية الصغيرة الثابته ـ رغم علمك المسبق أن الطريق تطول و تطول و تنقطع في بعض الأحيان بمجرد خيانة خطوة واحدة لك ـ و تسير رغماً عن الحجارة و الأشواك و المطبات، في تحدٍ بالغ لكل الحفر و الإنزلاقات، معلقاً ناظريك على ما يشبه الشمعة من بعيد لتضمن وصولك إلى ضريح الولي الصالح "مجعران"، أو كما يسميه أهل القرية "الولي". إذا اقتربت الشمعة البعيدة منك فأنت في الطريق الصحيح، لذلك تواصل المسير، ربما لتنفض شيئاً من اليُتم عنك.


في "الولي" أناس يعرفون الله، كالحاج حسن، ستشعر بالدفء معهم لا شك، و سيصيبك صوت الشيخ و هو يتلو القرآن بالأمان.


ـ استقيموا يرحمكم الله..!

لا تدخل! تتوقف تماماً عند الباب، فأنت مأخوذ بهيبة النور الذي يكتض به المكان. تقول في نفسك: و كأن الشمس تنام هنا! الضريح شامخٌ في الزاوية ينعم بدفء الشموع، المحيطة به بشكل منظم و دائم، مصبوغ بالـ"غُص" و مدثّر بالسجاد الأندلسي المطرزالذي تحتار في كيفية وصوله إلى هذه الأرض المهجورة المقطوعة التي تضيع فيها يومياً رغم أنها كل ما تعرف! يعود الفضل في ذلك إلى الحاج حسن، و هو رجل على عتبات الخمسين، يتمتع بوجه أسمرٍ وسيم، و كأنه أحد أقرباء عُمر الشريف، يتسرب من ثنايا معطفه الواسع دفءٌ أبويٌ لذيذ. له لحية مهذبة بيضاء ناعمة، و عينان مثقلتان تهملان المحيط و تسهران على راحة الضريح العتيق.

تأخذك قدماك شيئاً فشيئاً إلى الداخل حيث يسحبهما الدفء المبهم، و رائحة الكاذي المعززة بالفُل. تجد نفسك تقف في صفٍ قصيرٍ عمودي حيث يستقيم أناس تعرفهم بالفطرة." أبو تحفة" الحج الطيب الذي تراه كل يوم و تحدثه و تعطيه إسمك لينساك في الخمس الدقائق القادمة. "سلكح" الذي تكرهه أكثر من أي شيءٍ في الوجود." بعليل" الذي لا يأتي إلا ليرضى عنه أبوه و يزوجه. " جاغّم" الذي كان عقيداً ذات يوم فأطاح به العجز و خذلته الوساطات." سرورالأعمى" قيل أن الجن أخذت بصره و لم تعد به لأنه كان يعشق كتابة الشعر فوق القلاع وحده، و" أمين الفقيه" المجنون إثر انتحار زوجته أو قتله لها، من يدري فالقصة حول هذا تطول، و رجال هامشيون آخرون تراهم في "الولي"، يعرفون اسمك و اسم أبيك ـ و أمك أحيانا ًـ و لا تعرف أسمائهم.


"إنت ولد الصوفي؟" يباشرونك بهذا السؤال عندما تقترب منهم و هم في حالة ركودٍ كلامي على الأزقة المنحدرة، يهشون الذباب و يدفعون سهام الشمس الحارقة بخرقة بالية، فتصبح أنت بمثابة "الغواث" الذي يأتي قبل "التخزينة" المقدسة في ملكوت ديوان القات المجيد. تجيب و قد انتابك شيء من الغرورالبريء، و غمرت طفولتك رجولة دافقة: "أيوه، أنا ابن الصوفي!"


لا يتحدثون معك أو حولك لأن أبوك وزير الداخلية الذي لا يشق له غبار، مثلاً، بل لأنه مجرد مغترب. المغتربين عندهم هم تلك الطبقة الإقطاعية عند الأوروبيين أيام ما قبل الثورة الصناعية. حتى و إن كان هذا المغترب مجرد إنسان فاشل، أو منحرف، المهم أنه يعيش بعيداً عن هنا، حيث النقود معلقة على الشجر كما يتصورون، هذا يكفي لجعله رجلاً مهماً.


"الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم.................ولا الضالين" يصيح المصلون ـ والذي لا يتعدون أصابع اليد ـ في نعاس بصوتٍ مقطع "آميـ نـ آآآآ يــ يـ نـــنّ". يركعون بينما أنت مستقيم، ليس من فعل النعاس بل لأن منظرهم يشعرك بأنك أطول قامة منهم، و تبقى على حالك حتى "اللهُ أكبر، سمع الله لمن حمده" و تسجد قبلهم فيلحقوك واحداً تلو الآخرك، فتشعر بالقيادة. و يستمر الحال على هذه الشاكله حتى "السلام عليكم و رحمة الله، السلامُ عليكم و رحمة الله" . يستغفرون لثوانٍ معدودة، و يحمدون الله و يطلبون رضاه في يومهم الجديد، ثم ينصرفون إلى مآرب أخرى، عدا الشيخ الذي ينسى اسمك، فقد سبح لله حتى أحاق به النوم، و الحاج حسن، يسبح و يسبح و أنت تنتظر في الخلف كالتلميذ النجيب، تراقب في هدوء شفته السفلى الممتلئة و هي تعد الحروف الناحلة، و أصابعه المنبسطة الجافة و هي تمر من بين حبات السبحة برفقٍ و خفة. يلتفت إليك ليشعرك بأن وجودك محل إدراك، و يرمي لك بإبتسامة مضيئة، ثم يطلب منك أن تجلب له الكوز المجاور لك. تتقدم إليه حاملاً الكوز برشاقة نعجة، و أنت تتمعن في عينيه أكثر و أكثر. لم تكن تعرف من قبل أن رجلاً بهذه الوسامة و الطيبة بإمكانه أن يتواجد في أرضٍ كهذه.



ـ ليش إنت وحدك هانا؟ وين أخوك؟

ـ أخي في صنعاء

ـ ليش في صنعاء؟

ـ سار يشوف أمي

ـ أمك في صنعاء؟

ـ لا أمي.....مدري وينيه، بس مش في صنعاء.



يعلق الحاج حسن في همّ هازاً رأسه، مع أن الأمر لا يعنيه، فلم تكن يوماً ذات قرابة: " خير، خير"...

رغم أن كل واحدٍ من هؤلاء التعساء قد استنزفته الحياة و أخذت منه أكثر مما أعطت إلا أنه مستعدٌ لإن يقدم لك شيئاً من إهتمامه و عونه.


لم تتصحر قولبهم رغم كل هذا القحط الذي يأكل الشعاب.


تواصل مراقبة عينيه، و يواصل هو إطراقه و صمته. تشعربشيء من الحيرة و الألم: "هل أنا حزينٌ و بائس إلى هذا الحد"؟ يجذبك سؤال الشيخ العارض:


ـ تشتي ماء؟

ـ لا.

ـ مش انت ظامي؟

ـ لا

.ـ أحسن. لا نقعشي كلنا ظاميين.







ــــ هامش ــــ

العزلة: منطقة غائبة في قلب قرية منسية في اليمن. سُميت بهذا الإسم لأنها منعزلة فعلاً، لا يجاورها شيء إلا اللاشيء.

سِفِلْ: اسطبل أو زريبة. و سميت سفل لأنها في الطابق الأول من المنزل، أي أسفل البيت.أحسن.

لا نقعشي كلنا ظاميين: بلهجة أهل العزلة. و تعني: أفضل، كي لا نصبح جميعاً عطشى

الأربعاء، مارس 26، 2008

رهاب


في هذا الوقت المبكر يتسرب صوته من الحمام و هو يستفرغ بصوت يوحي أن أحشاءه ستنزلق من فمه. يزعجها هذا الصوت كثيراً لأنه يحجم الهو ة التي تتسع في قلبها. لطالما نصحته أن يتجنب العصبية و الطعام الحار، و تجنب كل ذلك و أكثر لكن شيئاً من هذا لم يكن كافياً لينقذه من الإستفراغ الصباحي الدامي المستمر الذي أحال وجهه إلى بياض مخيف و جسده إلى عود ناحل.


أيقظها صوته من نومها فأسرعت إلى الحمام بخوف أثقل خطواتها، تسمعه يستفرغ، لكن بصوت غير صوته. كان يناجيها بأنين أقرب إلى صوت كلب ركله أحدهم بقوة. قبل أن تفتح الباب تراجعت و بدنها يهوي بها و أنفاسها تتراكم عليها، و عرقها يغمرها. يصر عليها أن تدخل و تنجده، يتوسل إليها بذات الأنين أن ترحمه، فتهرب إلى زاوية لتلوذ بالصراخ و البكاء..


هذا ليس هو. إنه ميت منذ عام أو يزيد.

الثلاثاء، ديسمبر 18، 2007

ستكون على ما يرام







أجزم أن كثيراً من أحلامي تراودك

و إن كنا نختلف و لا نتفق على شيء.

أنك مثلي رغم أني لا أطابق الصورة التي تجمع أجزاءها منذ أن كنت في العاشرة.

أنك مثلي تقعد و قلبك يتشبث بحلم يخطو على أمل نحو الحقيقة، و كل شيء يسير و سيبقى يسير على ما يرام

فلا يوجد ما يعطله، مالذي قد يعطله؟ تقول في نفسك.ربما لن تقولها مثلي

“?It’s so perfect! What could possibly go wrong”

لأن المنفى لا يعرفك مثلما يعرفني.و ستسأل بلهجتك التي نال منها القلق "مالذي من الممكن أن يحدث؟"

نعم تعرف أن أشياءً كثيرة قد تحدث لتفقأ حلمك كما يحلو لها فقط لأنها تستطيع، و من باب سنة الحياة.

لكن كل شيء يسير كما يجب!

قد تعدى كل العوائق...الخوف الأكبر، اللحظة الأصعب، النقطة الأهم!

نعم تعرف أن بإمكان أي شيء تافه أن يحدث ليفسد كل شيء لكن المؤشر في صالحك.

و تتمادى مرة أخرى و تتجاوز الحلم لتتحيز للإحساس و الحدس و تفرح

لتصحو من غياهب حلمك الضارب في الأمل لتدرك أن كل شيء و رغم كل شيء لن يكون

هكذا و بلا أدنى سبب و ليس لأن شيئاً ما تافهاً قد كسر الجسر نحو الواقع على حلمك

ليس لأن القدر لا يحبك اليوم و لا تبدو مناسباً لغدٍ أفضل ليس لأنك مثلي مرآتك جميلة دائماً

و ما تحتك أرض صلبة لدرجة تمادي النرجسية في نظرتك

و ليس لأن شيئاً ما قد حدث، لكن هكذا! هكذا فقط و بلا أدنى سبب..

أعرف أنك مثلي، و تتصرف كما أتصرف، رغم أنك لا تريد

و تحاول باستمرار وأدي في ذاتك التي تنمو بي رغماً عن دعواتك الكثيرة.

أنك مثلي ستمنح الإحباط من نفسك ساعة لأنك تحترم المنتصر و تعترف له بالجدارة

و إن كنت تنوي قتله عما قريب لتعود من جديد بحلم جبار مهيمن

كزعيم عربي لا يهادن و لا يفاوض في عرشه

أجزم أنك مثلي و أنهم يرونك كما يروني، فلا الكلام الذي تمنحه للجميع فرصة جيدة إليك

ولا البشاشة التي توزعها بسخاء صالحة لكشف مضمونك.

أنك مثلي، رغم أنك لا تعرفني تماماً و لم تطمع في مجازفة كهذه

حتى في أشد لحظات جنونك.

أنك تفعل مثلي عندما تلتقي بطفل يبتسم للوجود من قلبه بلا مقابل

تزم شفتيك بقوة كي لا تبدو كالمعتوه و أنت تسأله:

" هل لي أن أستعير عينيك لأرى العالم كما تراه؟ هل لي بجهلك؟ هل لي بقلبك ؟"

لأنك عطشان للإبتسام العفوي و لن تتصرف بعدها مثلي و تتحسس وجهك و قد أوجعك اتساع البسمة

بينما تلتقط صوراً متعددة لوضعية الطفل الواحدة

الواحدة اللا متغيرة الثابتة، و هو يحدق فيك باستفهام أخرس تسمعه جيداً:

"لم لا تأتي بواحد مثلي إلى الوجود، لم لا تحبني إلا من بعيد، أحقاً لا تريد لنفسك شريكاً فيك؟"

و لأنك لست مثلي في كل شيء، تريد شريكاً لنفسك فيك.

لأنك مثلي، تعرف أن الأسباب الجيدة و الدوافع المناسبة ليست هي ما تريد لتحب

تؤمن بضرورة الرابط الغامض الخفي. تريد شيئاً ما من براعة الجنون الذي يُعجِز الحروف و اللغات

تريد قوة ما لا تعرف لها سبب توقعك في الحب كما توقع أحلامك من القمة إلى أسفل السافلين.

تريد شيئاً غامضاً يغمرك كإحباطك الموسمي، و لا تعرف لم لا تكون مؤهلاً للحب رغم أنك مؤهل للخيبات.

و لأنك مثلي، علمتك الخبرة ألا تشحذ النصائح و لا تقبل المجانية منها

لأنها لا تأتي أخوية أبداً حتى عندما يؤكد أصحابها أنها كذلك، ستبتلع مرارة السؤال و تبدأ في ترتيب الدنيا

و قد تخفق أكثر مم تنبأ لك والدك طيلة عمره، لكنك تستمر حتى يتسنى لك الكون .

و لأنك مثلي، ستنام و كأن شيئاً لم يكن لتصحو و على عاتقك العالم

لأن الليل موت قادم بصورة محسنة و أنت منذ أن تعرفك يربطك بالموت أكثر مم يفصلك عنه

و تكن له احتراماً شديداً إذ ينجح دائماً في سلبك من تحب دون أن يبذل جهداً كبيراً



قواسمنا المشتركة قليلة و الشبه بيننا كبير.

طبعاً لا يكفي أن تكون أحزاننا قادمة من نفس الوجع

و لا يكفي أن تضغط على يدي متفقاً على قساوة الموقف

و لا يكفي أن تؤيدني عندما ألعنك و ألعن الدنيا

و لا يكفي أن تحبني كما يجب أو تكرهني كما ينصحك صديقك العزيز

الذي يعرفك أكثر مني و يحرص على مصلحتك.

لا يكفي أن يحتمل اسمك بعض حروف اسمي، لأني على عكسك

خلقت بأسماء كثيرة و قد أكون عشتار و ليلى و بلقيس و مريم، و بأقدار شتى

كالأسئلة الصارخة في عينيك

بينما أنت رجل واحد باسم واحد و قدر واحد في مكان واحد.

لا يكفي أن تضمن النجوم نجاح العلاقة، و لا يكفي أن نتنهد في نفس اللحظة

كل ذلك لا يكفي..و لأنك مثلي، ستتفهم و تكون على ما يرام.


/

الاثنين، أكتوبر 29، 2007

حـوريـة







الشك يلاحق بعضه في عينيها، و نسمات هواءٍ كسولة تعبث بتركيزها. انتصبت تتفحص وجوه البؤس الكالحة التي أمامها. شعرها المنكوش، ثيابها المهترئة، أظافرها الطويلة، منظرها يقنع الناظر إليها أنها من سكان الكهوف المنسية.

"قلت لك يابن الحرام تقفل عليها بثلاثة أقفال.."
همس بحنق يصاحبه سخط في أذن الفتى المتكوم إلى جواره.
"و الله قفلت عليها بثلاثة أقفال يا أبي!"
أجابه و هو غارقٌ في ذهوله.


لا أحد يعرف كيف خرجت من حبسها. ربما هم الجن الذين تدعي صحبتهم، أو الرئيس الذي تصر على أنه عشيقها. هذا ما كان يتردد في أذهان الخامات البشرية المستهلكة التي تجمعت حولها.


"قتلتوا عيالي يا عيال الزنى!"
أطلقتها صرخة مدوية، طردت عصافيراً كانت آمنة فوق الشجرة المجاورة. ترتجف وجلاً و ثورة، جسدها ساخن يتفصد منه عرقٌ غزير، و يداها واهنتان ترتعشان. تحوم و تحوم حول لا شيء، تتخبط يميناً و شمالاً و تنتف شعرها الذي استعمرته بقايا قشاتٍ يابسة، و تصرخ: " رجعوا عيالي يا كفار..رجعوهم يا كفار! " ثم انطلقت خلف المجهول بسرعة مخيفة، تشق طريقها بين الصخور و الأشواك حافية القدمين.


"إلحقوا المجنونة يا رجال....وين البندقية يا عُبيد؟!" إنتفضوا عن بكرة أبيهم، صغارهم و كبارهم يتبعون خطاها ويرشقونها بالحجارة وهم يهتفون: المجنونة هربت، المجنونة هربت!

وجدتني حينها أتبع آثارها المغروسة في التراب الحار كالوشم ، تلتهمها أنفاسي اليابسة إلتهاماً، "حورية، حورية!"، لا لأرجمها بل لأشفق عليها، و أثبت لها أن هناك من بإمكانه لمَّ شعثها، في وقتٍ كنتُ فيه أكثر الناس شعثاً و شتاتاً.

كان إسمها حورية. تقول نساء البلدة أنها كانت ذات حُسنٍ مختلف، تهيمُ القلوب حولها، و يزيد إيمان العبد بخالقه عند رؤيتها، و أنها تزوجت بشخصٍ عشقته كل نساء البلدة، فتزوج حورية التي صارت الآن أشبه بشبحٍ قاتم مُرعب، هيئتها أقرب للأموت منها إلى الأحياء. قضتْ معه عمراً أقل من بضع سنين، لم تنجب له أولاداً فطلقها بعد أن "عملوا لهم عمل" كما تقول خالتي فنْده. عندما تحدثك تشعر بأنها ستنقض عليك. عيناها تطفحان بالنار، أنفاسها حارة ثقيلة كأنها تنين. تضحك بضجة، تمشي بضجة، تتكلم بضجة و تتصرف كإعصار عارض. عندما تمر من جوارك تشعرُ بها هائجة، يسبقها و يتبعها ما يشبه الدخان. إمرأة نارية هي، تخاف منها لكن تجد نفسك إلى جوارها

ـ حورية، انتظري
ـ حرفوا القرآن! سرقوا آيات الله

ـ حورية
ـ سرقوا آيات الله !
ـ حورية لحظة، اسمعيني


تقف مرتكزةً كشعاع نور، كأنها كانت على هذه الوضعية منذ أن ولِدتْ. تتسع الدهشة في عينيها، تبصق في وجهي:
ـ تفوه، قسماً بالله كنتِ معهم لما كانوا يسرقون كلام الله

أعرف أن حورية مجنونة و كلامها يشبه الوهم الذي يسبح قليلاً في الجو ليختفي، لكن ذلك لم يكن كافياً لردعي عن الموقف الدفاعي الذي اتخذته.

ـ أسكتي يا مجنونة.. ما يسرق القرآن أحد.
تتطاير ضحكاتها في السماء، تفترتش التراب، و تكمل و قد انتابها سهوم:

ـ ما سرقوا القرآن؟
ـ لا
ـ هاتي الختمة
!ـ ما عندي ختمة.
تغرس يدها في كيسٍ مُصفر تحمله معها أينما ذهبت، فتخرج يدها منه بمصحفٍ صغير.ـ افتحي القرآن على سورة البينة

فتحت القرآن على سورة البينة، فأمرتني أن أقرأ.
"بسم الله الرحمن الرحيم: لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب و المشركين منفكين حتى تأتيهم البينة.."

:تقاطعني و الدمع يختنق في عينيها
"انظري انظري. أنظري أين "رسولٌ من الله يتلوا صحفاً مطهرة..
"ـ حورية. هاهي الآية "رسولٌ من الله يتلو صحفاً مطهرة
!ـ لا يا كاذبة، يا كافرة، يا سارقة كلام الله. الآية مسروقة. سرقوها، سرقوها

الآية هنا ماثلة أمامي، لكن كيف تثبت للأعمى مالا يرى، و للأصم ما لا يسمع؟
أقسم أنها كانت على قناعة حتى أني بدأت أشك فيما أرى.
أخذت تسير و هي تشد شعرها و تنهال على رأسها بأكفها المشققة، تنهر الريح و تصرخ في وجه الغبار. حام عراة النصف الأسفل و النصف الأعلى، و الوجوه المخاطية حولها كنحل متعب و هم يرددون برنة عسكرية "حورية مجنونة، حورية مجنونة" و الفحول على الناصية الأخرى، يعكفون شواربهم و يتمتعون بما كشفته الريح من جسدها.


"أستتري يا مره!"
يوبخها ساخراً ذاك القاعد في انسجام تام على الناصية
ـ ابعد عن وجهي يا ولد الحرام، يا كافر يا فاجر، يا سارقين كلام الله.

يلتفت محرجاً إلى أصحابه بنصف ابتسامة و كانه لم يكن مستعداً لردة فعلها المهينة هذه
"قلنا استتري!"

فكشفت عما تبقى، و صارت تصرخ في وجوههم و تدفعهم كما يدفع الطفل الصغير الصخر، و دموعها تنهال على وجهها لترسم أخاديد صغيرة بفضل التراب المتراكم على وجهها منذ زمن، و هم يضحكون و يتجمهرون. ليست مشكلة حورية الأكبر أنها مجنونة و تصر على أن القرآن مسروق، بل كونها هنا بين هؤلاء الناس بلا عقل. "لا تبكي على من مات، إبكي على من فقد عقله" هي فلسفة أهل هذه القاحلة.
تبعتها، أتوسل، "يا حورية، يا حورية!" نفختْ قبضة من رمل في وجهي أصابتني بالغضب.


ـ أبعدي، أبعدي! سرقتي القرآن و سرقتي عيالي
ـ عيال؟ أي عيال يا مجنونة يا بنت المجنونة.

كانت هذه العبارة كفيلة بتهييج حتى أصغر الشياطين بداخلها. طفح الدم بوجهها، ركضت نحوي بسرعة جنيٍ نافر، وهي تقسم على ألاتتركني إلا و قد أنهت أخر أنفاسي، "أنا مجنونة يا بنت الحرام، أنا؟؟". إنطلقتُ أسابق خيالي، فلو قبضتْ عليّ لهلكت. ركضتُ و ركضتْ و أنا ألعنها و ألعن اللحظة التي قررتُ فيها لحاقها و العطف عليها، و هي تتضاءل و تتضاءل، و تلعن و تبصق، حتى تلاشت و لم يبقى لها أثر.
"لا تعمل خير ما تشوف شر"

صدقتِ يا جدتي، رحمة الله عليكِ حتى يوم الدين. لماذا لحقتها؟ لأعطف عليها؟ مالي أنا و مال المجانين؟



"هاتها يا سليم، يا سليم هاتها!"


من بعيد يهتف فتى يتمايل كالوهم تحيطه زوابع ترابية. اقتربت منه فوجدتهم صبية يتراشقون بالضحكات و اللعاب و كلام مفهوم و غير مفهوم. بين أرجلهم تصرخ قطة صغيرة مشنوقة بحبل رقيق طويل طووه حول رقبتها حتى صار سميكاً. القطة ينفثها الرمل بين أرجلهم تتوسلهم و تلعن. تسمع صوتها المشنوق الحاد ينطلق من بين عينيها الضيقتين و أنيابها. تحوم حول نفسها تماماً كما كانت تحوم حورية حول نفسها. كانت القطة تبكي بيأس. صوتها كان صوتاً باكياً، إذ كان يستقر على الحافة من قلبي و يهوي إلى الأسفل من عمقي. الشمس فقط و أنا من كان يدرك أنها تبكي.


"يا سليم، هاتها!" يكررها الفتى الأسمر ذو الهيئة الهيكل عظمية و الشعر النافر. بعينيه من الخبث و السذاجة ما يكفي لإعدام مستقبل دولة كاملة. يجيبه الفتى من الناحية الأخرى بضحكة تكاد تقضي على رئتيه. كان يضحك حتى شعرتُ بعسر تنفس. كأن أنفاسه تخرج بكمية أكبر من قدرة جهازه التنفسي على التحمل. لم أكن أرى إلا حواجب سميكة تحتكر وجهه، و فم كفوهة بئر، يتفوق في النحول على الفتى الأول بكثير.


"يا سليم، هاتها!!". بدأ الفتى في الناحية الأخرى يضيق ذرعاً، تتلاشى ضحكته بالتدريج للتحول إلى ما يشبه خيبة الأمل الممزوجة بالغضب. "قلنا لك هاتها!" كانت لهجته تزداد حدة بينما الفتى ذو الحواجب السمكية لا يزال غائباً في ضحكته، يطويه الغبار.


فعدتُ بعجل من حيث أتيت، أبحث مرة أخرى عن حورية.


الأربعاء، أكتوبر 17، 2007

و ثمة هو



لانطفاء الليل في غياهب المنافي السحقية معنى؛

يهون اختلاج الموت في رحم الهواجس

و لسكون المنافي وقع

كاندلاع القاضية في أجساد الضعاف

و لقسوة الريح فيها أيضاً أوجه

كأوجه الطغاة الفاحشينَ

تلاحق المسكون فينا من شظايا عزم لتنثرنا و تمحينا

ضمن أوراق الخريف ،

شمسها لا تعرف وجوه الخلائق فالكل جاثٍ يرتجي

"قليلاً من الدفء يا عالية.."
و ثمة هو

.يمنع انسياب التيه في امتداد الوريد

يذكرني بجمع تراتيل جدتي قبل أن تنكرني المشيئة.

و أدرك به أن العمر أقصر من تنفس أمنية على راحة وهم

و أن الماضي يعود برداء اليوم

و أن عودتنا لجبالنا الطاعنة في الكبرياء

تستلزم عباءة من حزن مضاعف و قليلٍ من ابتسام

ليس احتراماً لمن ماتوا قبلنا

لكن لتألفنا من جديد


..

الجمعة، يونيو 08، 2007

في الناس



:في الناس


كثيرون ومتجددو الصور، ينشطرون ككوابيسك التي لا تهدأ.. يتجسدون أكثر في مقامات الوهم حين ينقطع الحديث، في
لحظة انحراف الذاكرة نحو ومضة "القديم" ، " الماضي" ، "البعيد"، "الذكرى"... و نحبهم أكثر في نهاية المادي منهم، أي في بداية اللاملموس.. يفقدهم الحضور كثيراً من معناهم، و يفقدنا الكثير من ولعنا بهم. و يتدفقون دفعة واحدة في كل حواسنا كلما اشتعل الغياب في زحمة الفقد و برد الحنين و ملح الدموع

..



:في الناس


في ضجيج الصمت... في سكون الغامض... تتعرى كل الإجابات على صفحة البيان لمجرد اعتزالنا الحروف و
الأصوات، لأن الناس صحف منشورة تتوق لقارىء لا يحسن الكلام. لا تسأل أحداً عن كنهه، فالناس كتبٌ لم تقرأ نفسها، تُعرَف من عناوينها ..فكن جسوراً، و تهيأ للإبحار في مدلولها.. ففي التاء موت و تيه...احتدام و تعب ، في السين حسنٌ و حسّ ... كياسة و سحر، في العين عذوبة و عزاء ... وداع و وعد. في الباء بهجة و بهاء...بسمة بُعد، في الميم يُتم وماضٍ ....منفى و دمع. في الألف انتظار... إنفعال و ألم، في النون نار، و في الحاء حب و حزن....و هكذا.



:في الناس


شفرات تفضحها عيونهم، فلا تسألنّ حبيبك مثلاً: كيف المستقر في عميقه، و من أي الجهات تعبر إليه.... فقط اطلق
الوجدان في دجة العيون... الأسود أول العتمة ليل طويل الغواية و الحكايا. الأزرق بحر عميق يتوق لغريق لا يموت . البني شرارة بين رغبة و امتناع. الرمادي ضبابية و حياد أعياه الفتور.



:في الناس


تِـم يتحدث بثقة صيفٍ شرق أوسطي، يثبت عينيه في دهشة الحضور، ليؤكد أن قيمة الكائن البشري تحددها حاجات الوقت و طبيعة المأزق. تِـم، يقترح الموت كأفضل فكرة من الممكن أن تقدمها لشخص تتردد روحه بين موت و حياة. تقترح الموت يا تِم؟ هل تعرف ما لونه؟ ذقته..... ما طعمه؟ هل صادفته في الواقع؟ هل اعترض طريقك مرة، و قلت له بكياسة الرجل الأبيض "Pardon" فابتسم و أفسح لك الطريق؟ أم هل عاد أحدٌ من الموتى ليخبرك عن روعة التجربة؟ هل تعرف يا تيموثي الغائب في عفن الحداثة، أن الموت ينام في اسمك بلغة القمحيين ذو الأعين أحادية اللون، الذين لا تجد لهم متسعاً في معتقدك، و تنزلق من هدوءك لتبصق في وجوههم ربما، إن اعترضوا سهرة ممتعة في خبر لا يحتمل التأخير، و أنه من الممكن جداً أن يستيقظ في لحظة اللاانتظار ليؤكد لك أيضاً، أنه لم يكن رحيماً حتى مع الغربيين و مخضرمي الـ"بي آيتش دي" المنحدرين من العرق المتحضّر: تيمو: ميتٌ، يموتُ، موتاً

أنت يا تِم.. الناعم تماماً كعطر مُومِس، أكثر إرهابية من كل مواطن الضعف و ما بعد المذابح البشرية، أكثر إرهابية من رائحة دم متعفن على جسد جنينٍ مُجهض. هذا لا يعني أني لن أحزن جداً إن متَ دون أن أعرف أي النهايات أنجزتك.



:في الناس



للموت قدرة على تحويل أولئك الذين يذهبون فجأة ـ هكذا دون استئذان قلبك أو تعطيله كي لا يعي و ينتهي ـ إلى ركام ذكريات، تعلق في أشياء كانت لهم.. تتحول إلى ملكٍ شرعي للأحياء، لأن لا حقوق للأموات في عالم الحي المتطور، تماماً كما ليس للأحلام حق في عالم الواقعي المتدهور... لننهيهم بدموع نغلق بها أبواب أقئدتنا، و نعلن البحث عن كائن

آخر في عداد الأحياء.



:في الناس


هم كائن واحد منسلخ في كائنات تسمى ناس، و أحياناً "أنت".. هم النسخة المؤجلة أو النسخة المكرورة منك. أي لا تتلعثم إن صادفتك في أحدٍ منهم، فهم صورتك المتشعبة في أجسادٍ كثيرة، و صور متضاربة، و أرواح متعارضة في أمكنة و أزمنة مختلفة.